‏إظهار الرسائل ذات التسميات دروس بعد رمضان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دروس بعد رمضان. إظهار كافة الرسائل

السبت، 15 يوليو 2017

ماذا بعد رمضان؟(1)

••🍃•`°°❉ ﷽❉•°°`•🍃••

📃ماذا بعد رمضان؟ (1)🍃

••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدِه الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70 - 71].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
أما بعد:
فيا أيها المؤمنون، يَمتاز الإسلام عن غيره من الدِّيانات من حيث التطبيقُ والعمل: أنَّه دينٌ دائم الاتصال بالعبد، لا ينفكُّ عنه بمجرد ذهاب شعيرة أدَّاها، أو يتحلل منه فَوْر انتهاء زمن عبادةٍ معظَّمة فيه، بل يَظل الإسلام ملازمًا للعبد في كلِّ الأوقات والأمكنة، في البيت والسُّوق والعمل، وفي كلِّ مكان، وفي شعبان ورمضان وشوال، وفي كل زمان.
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
يَظلُّ هذا الدِّين يصلُ العبد بربه، ويعلو به إلى الملكوت الأعلى، ويسمو به عن دَنايا الدُّنيا، وهذا الحسن لا يظهر إلاَّ في مُؤمن التزم الإسلام ظاهرًا وباطنًا كلَّ وقت وحين.
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
بينما لو أبصرت الدِّيانات الأخرى، لوجدت أنَّ شعائرهم مُجرد طقوس يُؤدونها في أوقاتها، وعادات يألفونها، لا تعدو أنْ تكون مجرد إشباع قلبي زائف، لا يصل العبد بخالقه، ولا يوجد السعادة والطمأنينة في داخله. 
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
من هنا كانت العُبودية في الإسلام لله - تعالى - على الدوام، تستمر مع العبد منذ التكليف حتى اللحد، لا ينفكُّ عن الاتصال بالله - تعالى - إلاَّ إذا تنكَّب العبد الطريق، وضلَّ عن الصراط المستقيم.
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
انظروا مثلاً إلى الصلاة المفروضة التي تتكرر مع العبد كلَّ يوم وليلة، وإلى الصيام الذي يعود كلَّ عام، ومثل ذلك يقال في الزَّكاة والاستغفار، وقراءة القرآن، وسائر الذكر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وغيره مما يكثر عدُّه.
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
ولم يقف الاستمرار في العمل الصالح عند حدِّ الفرائض، بل تعدَّى ذلك إلى النَّوافل، فاستُحبَّ للعبد أن يستمر فيها ولا يقطعها؛ روت عائشة - رضي الله عنها - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أحب الأعمال إلى الله - تعالى - أدومها وإن قلَّ))؛ أخرجه الشيخان[1]، وذكرت - رضي الله عنها - أنَّ من صفاته - صلَّى الله عليه وسلَّم - المداومة على العمل الصالح، فقالت: ((كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا عمل عملاً أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرض، صلَّى من النهار اثنتي عشرة ركعة))؛ أخرجه مسلم[2]، فتأملوا مبلغ أهمية الدَّوام على العمل الصالح؛ إذ كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يقضيه عند فواته في وقته، مع أنَّه نافلة لا يَجب قضاؤه، بل وحث الأمة على ذلك، فقال - عليه الصَّلاة والسلام -: ((مَن نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر - كتب له كأنَّما قرأه من الليل))؛ أخرجه مسلم[3].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
ومَن كان مداومًا على العملِ الصالح، فإنَّه دائم الاتصال بالله - تعالى - مُحافظ على فرائضه، مُتقرب إليه بالنوافل؛ حتى يكونَ من أحباب الله - تعالى - وأيُّ شرف أعظم من هذا؟! يقول الله - تعالى - في الحديث القُدسي: ((مَن عادى لي وليًّا، فقد آذنته بحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه...))[4].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
إنَّ العبد إذا نزلت به شدة يهرع إلى الله - عزَّ وجلَّ - لكن هل يليق به أنْ ينسى الله في الرخاء، ولا يعرفه إلا في الشدائد؟!
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
واستمرار العبد على العمل الصالح كفيل بتخفيف كلِّ شدة وإزالتها؛ ولذا جاء في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((تَعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة))؛ أخرجه أحمد[5]، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء))؛ أخرجه الترمذي[6]
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
والاستمرار على العمل الصالح سبب لتهذيب النفس، وسموِّها على الشهوات، واستعلائها على الهوى، وحجزها عما لا يليق من المنكرات؛ ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، والصلاة دائمة مُستمرة، فمن حافظ عليها وما يَجب لها نهته عن كل منكر، ولما جاء رجل إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: إنَّ فلانًا يُصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، قال - عليه الصلاة والسلام -: ((إنه سينهاه ما تقول))؛ أخرجه أحمد والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه[7].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
وإذا استمر العبدُ على العمل الصالح، فحال بينه وبينه عذر، كتب الله له الأجر كأنَّه قد عمله؛ قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا مَرِضَ العبد أو سافر، كُتِب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا))[8]، وفي لفظ آخر: قال - عليه الصلاة والسلام -: ((ما من امرئ تكون له صلاة بليلٍ يغلبه عليها نوم إلاَّ كُتب له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة))؛ أخرجه أبو داود والنَّسائي[9]؛ قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: "هذا في حق من كان يعمل طاعة، فمنع منها، وكانت نيته - لولا المانع - أن يدوم عليها"[10].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
إنَّ مِمَّا يعين على الاستمرار في العمل الصالح تَجديد التوبة دائمًا وأبدًا، ولزوم الاستغفار، فإنَّ في ذلك القوة والنشاط، وضمان بقاء العبد على العمل الصالح يَحتاج إلى قوة قلبية وقوة جسدية... قوة في إيمانه، وقوة في أعضائه، وفي التوبة والاستغفار تَحصيل ذلك؛ قال الله - تعالى - حكاية عن هود - عليه السَّلام - أنَّه قال لقومه: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ [هود: 52]، واختيار المناسب من الأعمال الصالحة أدعى للاستمرار عليها، فإنَّ الأعمال الصالحة تتنوع، وهي كثيرة جدًّا؛ ولذا كان من السَّلف الصالح من اشتهر بطول القيام، وآخر بكثرة التسبيح والذكر، وثالث بالسَّعي في حوائج الناس ومُساعدتهم، وغيرهم بتعليم الناس وتفقيههم... وهكذا.

وليس معنى ذلك أنْ يلزم العبد عملاً، ويترك الأعمال الأخرى؛ لكنَّه يكثر مما يرى أنه أنشط فيه، وأكثر استمرارًا.
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
ولا يُثقل على نفسه؛ لأنَّ النفس بطبيعتها شهوانية ملولة، فلو أثقل عليها ربَّما أدى ذلك إلى قطع العمل بالكلية، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يَمل حتى تملوا))؛ مُتفق عليه[11].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
ويَسأل العبد ربَّه الإعانة على الاستمرار في العمل الصالح، وكان من دعاء النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك))، وأوصى معاذًا أنْ يدعو بذلك دبر كل صلاة[12].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
وقد جاء النهي عن ترك الاستمرار في العمل الصالح في حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قال لي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا عبدالله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل))؛ متفق عليه[13].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
ويُنَشِّطُ العبدَ على العمل الصالح، ويقوده إلى الاستمرار فيه - مُطالعةُ أخبار الصالحين من سلف هذه الأمَّة ومن بعدهم ممن كانوا يتحملون أعمالاً صالحة كثيرة، ويداومون عليها، ولا يدعونها، حتى في أحلك الظُّروف، وأصعب الساعات، قُدوتهم في ذلك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قالت عائشة - رضي الله عنها -: "ما رأيت النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - منذ أن نزل عليه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ} [النصر: 1] يصلي صلاة إلاَّ قال فيها: ((سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي))[14].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
وكانت عائشة - رضي الله عنها - تصلي الضحى ثماني ركعات، ثم تقول: ((لو نُشر لي أبواي ما تركتها))؛ أخرجه مالك[15].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
وقال النبي - عليه الصلاة والسلام - لبلال عند صلاة الفجر: ((يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام، فإنِّي سمعت دَفَّ نعليك بين يدي في الجنة))، قال: "ما عملت عملاً أرجى عندي أنِّي لم أتطهر طُهُورًا في ساعة من ليلٍ أو نهار إلاَّ صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي"؛ متفق عليه[16].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
وفي حديث بريدة - رضي الله عنه - قال: أصبح رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فدعا بلالاً، فقال: ((يا بلال، بِمَ سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قطُّ إلا سمعت خشخشتك أمامي...))، قال: "يا رسول الله، ما أذَّنت قطُّ إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قطُّ إلا توضأت عندها، ورأيت أنَّ لله علي ركعتين"، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "بهما"؛ أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب[17].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
وهذا عليٌّ - رضي الله عنه - لم يترك عملاً صالحًا أرشده إليه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في ليلة يَستقبل صباحها حربًا وقتالاً، وذلك أنَّ عليًّا وفاطمة سألا النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - خادمًا، فقال: ((ألا أعلمكما خيرًا مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما، أنْ تكبِّرا الله أربعًا وثلاثين، وتسبحاه ثلاثًا وثلاثين، وتحمداه ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم))، قال علي: "ما تركته منذ سمعته من النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين"؛ أخرجه الشيخان[18].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
ومن عجائب الأخبار في هذا الجانب:
ما خرَّجه مسلم في صحيحه قال: حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير، حدثنا أبو خالد – يعني: سليمان بن حيان - عن داود بن أبي هند، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس قال: حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يُتَسار إليه، قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُني له بهنَّ بيت في الجنة))، قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة، وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة، وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس[19].
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
فانظروا كيف أنَّ كل واحد من هؤلاء السَّلف - رحمهم الله تعالى - بادر بالامتثال، وحافظ على السنن الرَّواتب، واستمر على ذلك، ولم يتركها منذ أنْ بلغه فضلها، وأخبارهم في ذلك كثيرة.
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
كانت تلك جمل في أهمية الاستمرار على العمل الصالح ودواعيه وأسبابه وآثاره، عسى أن يكونَ فيها إيقاظ للعقول النائمة، وتنبيهٌ للقلوب الغافلة، يقودها إلى الله والدَّار الآخرة.
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
أسأل الله - تعالى - أنْ يستعملنا في طاعته إلى الممات، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 33].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
••🍃•`°°❉•🌹•❉•°°`•🍃••
 

ماذا بعد رمضان؟ (2)

❖🌻❖﷽❖🌻❖  

📃ماذا بعد رمضان؟ (2)🌻

الحمدُ لله، نحمَده ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفُسِنا، ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يهْدِه الله فلا مضلَّ له، ومَن يضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحْده لا شريك له، وأشهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه.
أمَّا بعد:
❖🌻❖🌻❖🌻❖
من حكمةِ الله - سبحانه وتعالى - وابتلائِه لعبادِه: أن جعَل الدُّنْيا دار عملٍ للمكلَّفين، ونوَّع لهم فيها سبُل طاعتِه، وطرق الوصول إليْه، والإقبالِ عليْه.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
كما يوجد في الدُّنيا شهَوات وشبُهات تصدُّ عن سبيل الله تعالى، وتُلْهي العبدَ عن طاعة ربِّه، وتجرُّه إلى المعاصي والذُّنوب.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
ومِن سِمة دروب النَّجاة، وسبل الفوْز والفلاح:
أنَّ فيها من المشقَّة على النُّفوس ما فيها، ممَّا يُحوج العبدَ إلى مُجاهدة النَّفس، واصطبارها على طاعة الله تعالى، كما أنَّ من خصائص دروب الهلاك والرَّدى سهولة نيْلها، ومحبَّة النفوس لها، وميْل الغرائز البشريَّة إليْها؛ كما قال النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((حُفَّت الجنَّة بالمكاره، وحفَّت النَّار بالشَّهوات))[1].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
والواحد من النَّاس يعيش في الدُّنيا ما كتب الله تعالى له من عمر، والسَّاعاتُ والأيَّام تمضي على النَّاس سواء بسواء، فلا تتقدَّم لبعضِهم ولا تتأخَّر عن آخرين، والعبرةُ بالأعمال التي قُضيت فيها السَّاعات والأيَّام؛ فهي مكتوبةٌ على العباد، وسيُجازون بها يوم القيامة؛ ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10 - 12]، ﴿ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ [الكهف: 49].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
إنَّها أيَّام تَمضي، وسنوات تذْهب، وأعمال تدوَّن، وكما أنَّ شهْر رمضان كان يُنتظر هاهو قد ولَّى، وكم من رمضانات انتظرَهَا العباد وصاموها ثمَّ ذهبتْ سريعًا، ومَن عاش منهم فسينتَظِر رمضانات أُخرى، وسوف تَمضي كما مضَى غيرُها، وهكذا عمر الإنسان.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
والموفَّق من عباد الله مَن جعل حياته كلَّها رمضان، يصوم فيها عن المحرمات، ويجتهدُ في الطاعات، وينافس في الخيرات، حتَّى ينتهي أجلُه، كما قال الحسَن البصري - رحِمه الله تعالى -: "مَن نافسَك في دينِك فنافسْه، ومَن نافسَك في دُنياك فألْقِها في نحره"[2].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
ومن نظَّم وقْتَه في رمضان، وقسَّمه بين أنواع العِبادات، فإنَّه يستطيع أن يفْعَل ذلك في غيْر رمضان.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
لقدْ رأيْنا كثيرًا من النَّاس يُحافِظون على صلاة القيام، ويخصِّصون وقتًا للقرآن، ويبكِّرون إلى المساجد، ولا يتركون النَّوافل والسُّنن الرَّواتب، ويلتزِمون بأذْكار الصَّلوات، وأذْكار الصباح والمساء وغيرها، ولربَّما كان لهم عباداتٌ كثيرة قد خصُّوها بوقتٍ من الأوقات، فما الَّذي يمنعهم من الاستِمْرار على ذلك بعد رمضان؟!
❖🌻❖🌻❖🌻❖
وتنظيم الوقت، ومعرفةُ قيمة العمر من أعْظم ما يُعين العبد على ذلك، وكما كان الواحد منهم شحيحًا بوقته في رمضان، محاسبًا لنفسه أن تضيع دقائق في غير عبادة، فلماذا لا يكون هذا دأبهم بعد رمضان؟! قال الحسن - رحمه الله تعالى -: "أدركتُ أقوامًا كان أحدُهم أشحَّ على عمرِه منْه على دراهِمِه ودنانيره"[3].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
إنَّ كثيرًا من النَّاس لمَّا دخل رمضان عرفوا قيمتَه وفضله، وأحسُّوا أنَّ أوقاتًا منهم كانت تضيع في فضول المجالس، والكلام والأعمال، ممَّا لا نفع فيه لا في الدُّنيا ولا في الآخِرة، فعزموا على استِثْمار تلك الأوْقات الضَّائِعة، ومنعوا أنفُسَهم من فضول المخالطة والمجالسةِ والكلام والأعمال، وصرفوا أوقاتَها في طاعة الله تعالى؛ فحصَّلوا خيرًا كثيرًا، ولو نظرْنا في أعمالِنا اليوميَّة لوجدْنا أنَّ كثيرًا منها لا يعْدو أن يكون فضولاً لا نفْع فيه بوجْهٍ من الوجوه، فلماذا لا تُستثمر مثل هذه الأوقات الضَّائعة فيما يعود على العبد بالخير في الدنيا والآخرة؟!
❖🌻❖🌻❖🌻❖
قال عطاء بن أبي رباح - رحِمه الله تعالى -: "يا ابنَ أخي، إنَّ مَن كان قبلَكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدُّون فضولَه ما عدا كتاب الله - عزَّ وجلَّ - أن تقرأه، وتأمُر بمعروف أو تنهى عن منكر، أو تنطلق بحاجتك في معيشتِك الَّتي لا بدَّ لك منها، أتنكرون أنَّ عليكم حافظين كرامًا كاتبين؟!"[4].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
وقال الأوزاعي - رحمه الله تعالى -: "كتب إليْنا عمر بن عبدالعزيز - رحِمه الله تعالى - برسالة لم يَحفظْها غيري عنْه: أمَّا بعد، فإنَّ مَن أكْثَرَ ذِكْرَ الموت رضِي من الدُّنيا باليَسير، ومَن عدَّ كلامه من عمله قلَّ كلامُه إلاَّ فيما ينفعُه"[5].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
لقد كانوا يعدُّون من فضول الكلام سؤال المرْء عن أمور الدنيا من المراكِب والملابِس والمطاعم وما شابَهَها.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
قال إبراهيم بن سليمان: "كنتُ جالسًا مع سفيان فجاء رجل ينظُر إلى ثوب كان على سفيان، ثم قال: يا أبا عبدالله، أي شيء كان هذا الثَّوب؟ فقال سفيان: كانوا يكْرهون فضول الكلام"[6].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
قارنوا هذا بِحال كثيرٍ منَ النَّاس ممَّن لا يتْركون شاردةً ولا واردةً من أُمور الدُّنيا إلاَّ ويسألون عنْها، وتطول مجالسُهم في الحديث عن المطاعِم، والمشارب، والمراكِب، والملابِس، وأنواعِها، وموديلاتها، وميزاتها، وخصائص كلِّ نوع منها، وما إلى ذلك من كثير كلام لا يُفيد.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
ويدلُّك على تمكُّن هذه الكماليات من قلوب النَّاس:
❖🌻❖🌻❖🌻❖
شدَّة التَّنافُس عليْها، والاختِلاف من أجلِها، والمباهاةُ بها، فما يلبس في العام الماضي من الثِّياب والعمائم لا يُلْبَس في هذا العام، وما يُناسب هذا العيد لا يكون مناسبًا في العيد القادم؛ لأنَّ تجَّار الكماليات يُحْدِثون تغْييرات مستمرَّة في كلِّ عام بقصْد جنْي الأرباح، والاستِحْواذ على أموالِ النَّاس، وضعف الناس أمام هذه الموجة العاتية من الاستِهْلاك جعلهم يستسلِمون لها.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
ومن العجيب أن نرى أناسًا يتنافسون على رقم هاتفٍ مميَّز أو لوحة سيَّارة أو غيرها، ويبذُلون في سبيل ذلك باهِظَ الأثْمان، وهذا كلُّه من الفضول، بل ومِن فضول الفضول الَّذي لا يسلم صاحبُه من الوقوع في السَّرَف المحرَّم.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
والسَّلامة من هذه الأمراض التي تأْسِر العبد وتفتك بإرادته تكون بقهْر النَّفس على التَّنافُس في الأمور النَّافعة، والبعدِ عمَّا لا ينفع، ولو وقع فيه النَّاس، وتفاخروا به.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
والشِّفاء من هذا الدَّاء يكون بتعْويد النَّفس على الجِدِّ في الأمور، وتحصيل المنافع، ومجالسة أصحاب الهمم العالية، والاهتمامات الكبيرة.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
حكى الفقيه الأندلسي أبو محمَّد ابن حزم - رحِمه الله تعالى - عن نفسه فقال: "كانت فيَّ عيوب، فلم أزَل بالرياضة واطِّلاعي على ما قالت الأنبِياءُ - صلوات الله عليهم - والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدِّمين في الأخلاق وآداب النَّفس، أعاني مداومتَه حتَّى أعان الله - عزَّ وجلَّ - على أكثر ذلك بتوفيقِه ومنِّه"[7].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
أعوذ بالله من الشَّيطان الرجيم: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشُّورى: 20].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
مَن عوَّد نفسَه على قراءة وِرْدٍ يوْمي من القُرآن في رمضان، فهو قادرٌ على أن يُحافظ على بعضِ وِرْده بعد رمضان، ولا يهْجر القُرآن بالكلِّيَّة إلى أن يأتي رمضان القابل، ومَن حافظ على وِرْد يومي من القرآن نال خيرًا عظيمًا.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
قيل لنافع: ما كان ابنُ عمر يصنع في منزله؟ قال: "الوضوء لكلِّ صلاة، والمصحف فيما بينهما"[8].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
وقيل لأخت الإمام مالك - رحمه الله تعالى -: ما كان شغل مالك في بيته؟ قالت: "المصحف والتلاوة"[9].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
وكان وكيع - رحمه الله تعالى - لا ينام حتَّى يقرأ جزءَه من كلِّ ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر اللَّيل فيقرأ المفصَّل، ثم يجلس فيأخُذ في الاستِغْفار حتَّى يطلع الفجر[10].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
ومن عوَّد نفسه على ذِكْر الله تعالى في رمضان، وحافظ على الأذْكار الموقوتة، فإنَّه يستطيع الاستِمْرار على ذلك بعد رمضان، وذكر الله تعالى فيه لذَّة القلوب، وقوَّة النفوس والأجساد على الطاعات الأخْرى، قال مالك بن دينار: "ما تلذَّذ المتلذِّذون بمثل ذكر الله - عزَّ وجلَّ"[11].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "الذكرُ للقلب مثل الماء للسَّمك، فكيف يكون حال السَّمك إذا فارق الماء؟!"[12].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
وقال ابن القيم - رحِمه الله تعالى -: "وحضرتُ شيخ الإسلام ابن تيمية مرَّة: صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ الغداء سقطت قوتي"[13].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
ومَن حافظ على صلاة التَّراويح والقيام في رمضان يستطيع أن يُحافظ على قدْرٍ من صلاة اللَّيل في أوَّله أو آخره حسب ما يتيَّسر له، ولا يقطع ذلك بالكلّيَّة، ويُحافظ على الوتر فلا يترُكه أبدًا، وقد كان النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقومُ فيُطيل القيام حتَّى تتفطَّر قدماه الشَّريفتان، وقال نافع: "كان ابنُ عمر - رضي الله عنهما - إذا فاتتْه صلاةٌ في جماعة صلَّى إلى الصَّلاة الأخْرى، فإذا فاتته العصْر يسبح إلى المغرب، ولقد فاتتْه صلاة العشاء الآخرة في جَماعة فصلَّى حتَّى طلع الفجر"[14].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
وقال ابن وهب - رحمه الله تعالى -: "رأيتُ الثَّوريَّ في المسجد الحرام بعد المغرِب صلَّى ثم سجد سجدة، فلم يرفَع رأسه حتَّى نودي بصلاة العشاء"[15].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
وكان سفيان - رحِمه الله تعالى - إذا أصبح مدَّ رجله إلى الحائط، ورأْسه إلى الأرض؛ كي يرجِع الدم إلى مكانه من قيام الليل[16].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
إنَّ مَن روَّض نفسَه على الطَّاعة ارتاضت عليها، ومَن ركن إلى الكسَل صارت الفرائض ثقيلةً عليْه، وكما أنَّ مِن الناس من لهم قوَّة عجيبة في أعمال الدُّنيا جمعًا وتَحصيلاً وإدارة، فكذلك أعمال الآخرة إذا روضت النفوس عليْها اعتادتْها.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
قيل لعامر بن عبدالله - رحِمه الله تعالى -: "كيف صبرُك على سهَر الليل، وظمأ الهواجِر؟ فقال: هل هو إلاَّ أنِّي صرفت طعام النَّهار إلى اللَّيل، ونوم اللَّيل إلى النَّهار؟! وليس في ذلك خطير أمر"، وكان إذا جاء اللَّيل قال: "أذهب حرُّ النار النَّوم، فما ينام حتى يصبح"[17].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
وجماع ذلك كلِّه:
محبَّة الله تعالى، ورجاءُ رحْمته، والخوف من عذابه؛ عن فاطمة بنت عبدالملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى - قالت: "ما رأيتُ أحدًا أكثر صلاة ولا صيامًا منه، ولا أحدًا أشدَّ فَرَقًا من ربه منْه، كان يصلِّي العشاء، ثمَّ يَجلس يبكي حتَّى تغلبه عيناه، ثمَّ ينتبه، فلا يَزال يبكي حتَّى تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشَّيء من أمر الآخرة فينتفِض كما ينتفض العصفور من الماء، ويَجلس يبكي فأطرح عليْه اللحاف"[18].
❖🌻❖🌻❖🌻❖
فمَن أحبَّ الله - تعالى - أحبَّ ما يحبُّه الله تعالى من أنواع العبادات، ومَن رجا رحْمة ربِّه وجنَّته اجتهد فيما يوصِّله إليْها، ومَن خاف عذابَ الله وغضَبَه اجتنب أسبابَه من إضاعة الفرائض، وإتْيان المعاصي، وكلَّما قوِي إيمان العبد بالله تعالى والدَّار الآخرة، قوِيَتْ نفسُه على العبادة، وضعُفت عن المعاصي.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
أسأل الله تعالى أن يُصْلِح قلوبَنا وأعمالنا، وأن يُخْلِف عليْنا رمضان بخير، وأن يتقبَّل منَّا الصيام والقيام، اللَّهمَّ سلِّمنا إلى رمضان، وسلِّمْه لنا، وتسلَّمه منَّا متقبَّلاً، إنَّك سميع مجيب.
❖🌻❖🌻❖🌻❖
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.